السيد محمد بيرم الخامس التونسي

136

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

ملكة إسبانيا في مدة ثمان سنين حصل على المساعدة بثلاث سفن والعهد إليه بأن يكون خليفة الملك عما يكتشفه ويأخذ العشر من المداخيل لنفسه ، ثم بعد مقاسات شديدة له من الملاحين الذين أرادوا قتله ليأسهم من النجاح كلل سعيه بالنجاح بعد سبعة وعشرين يوما من شطوط إسبانيا إلى جهة الغرب ، وأول جزيرة اكتشفوها سماها سان سلفدوري ، ولا زال يكتشف فيها جزيرة بعد أخرى كلها في غاية النضارة وسذاجة الأهالي وسلامتهم حتى أنهم عراة نساء ورجالا ولونهم ذهبي ويبنون بيوتا من أغصان الشجر ، وبعض الجزر يبنون القرى من الحجارة والطين واكتشف فيها على البطاطس والتبغ اللذين لم يكونا معروفين من قبل ، وهكذا اكتشف بها على الطماطم التي يقال إنها هي السبب في حدوث المواد الطيرية في القارات لأنه لم يكن معروفا ذلك المرض من قبل حتى سمي بالحب الإفرنجي نسبة إلى الإفرنج لأنه عرف منهم بجلبهم للطماطم وسيأتي الكلام إن شاء اللّه تعالى على وجه تسمية أهل أوروبا بالإفرنج . ثم إن كلمبوس رجع إلى إسبانيا وعاد بأسطول وعساكر أكثر مما كان أتى به سابقا فلم يبق هناك ، ثم قدم بعد مدة رجل يقال له أمريكوس وهو الذي اكتشف على أمريكا الجنوبية وبه سميت جميع القارة ، والحق أنها كانت معروفة سابقا وكذلك طريقها من جهة المحيط الغربي ، ودليله أنهم أثبتوا أن أهالي النورويج كانت لهم تجارة ومعاملة مع أهالي كرنيلاندا من أمريكا الشمالية منذ القرن الثالث والرابع من الهجرة ، حيث ذكروا أن رجلا من أهالي اسكتلانده التي هي الآن من ممالك إنكلترا وكانت إذ ذاك تحت حماية النورويج ، قذفته الرياح في ذلك الزمان في البحار الشمالية إلى أن وصل إلى كرنيلاندا ثم رجع إلى بلاده وصار لهم اتصال معهم ، غير أنهم لم يثبتوا زيادة اكتشاف عما عدا ذلك مع أن القارة كبيرة جدا ، وكذلك رأيت في جغرافية ابن الوردي « 1 » أنه قال ما معناه : « إن وراء الجزائر الخالدات وبحر الظلمات جزائر عظيمة جدا وفيها خلق كثير وقد وصل إليها أحد النوتية عن غير قصد بمطاردة الرياح ثم رجع منها بعد أن أيس من الحياة ووصفها بأوصاف جميلة مطابقة لما اكتشف من بعد » . وإنما قال في المحيط الغربي بحر الظلمات لأنه تتكاثف فيه جهة الشمال الأبخرة حتى يصير ظلاما الليل والنهار كما هو مشاهد الآن لجميع المسافرين بين أوروبا وأمريكا حتى تضطر البواخر مدة سفرها أن تصرخ بعد كل دقيقة ببوق البخار كي لا يقع لها تصادم مع غيرها ، لأن نور الشمس محجوب ونور المصابيح لا يخرق تكاثف الأبخرة .

--> ( 1 ) هو عمر بن مظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس ، أبو حفص ، زين الدين ابن الوردي المعري الكندي ( 691 - 749 ه ) شاعر أديب مؤرخ . ولد في معرة النعمان بسورية وتوفي بحلب . الأعلام 5 / 67 ، بغية الوعاة 365 ، الدرر الكامنة 3 / 195 رقم الترجمة ( 472 ) ، فوات الوفيات 3 / 157 رقم الترجمة ( 383 ) .